عبد الوهاب الشعراني

231

الطبقات الكبرى ( لواقح الأنوار القدسية في مناقب العلماء والصوفية )

وكان الشيخ عبد القادر رضي اللّه عنه يقول : أقمت في صحراء العراق وخرائبه خمسا وعشرين سنة مجردا سائحا لا أعرف الخلق ولا يعرفونى يأتيني طوائف من رجال الغيب والجان أعلمهم الطريق إلى اللّه عز وجلّ ، ورافقني الخضر عليه السلام في أولى دخولي العراق وما كنت عرفته وشرط أن لا أخالفه وقال لي أقعد هنا فجلست في الوضع الذي أقعدني فيه ثلاث سنين يأتيني كل سنة مرة ويقول لي مكانك حتى آتيك قال ومكثت سنة في خرائب المدائن آخذ نفسي بطريق المجاهدات فآكل المنبوذ ولا أشرب الماء ومكثت فيها سنة أشرب الماء ولا آكل المنبوذ وسنة لا آكل ولا أشرب ولا أنام . وكان رضي اللّه عنه يرى الجلوس على بساط المملوك ومن داناهم من العقوبات المعجلة للفقير ، وكان رضي اللّه عنه إذا جاءه خليفة أو وزير يدخل الدار ثم يخرج حتى لا يقوم له إعزازا للطريق في أعين الفقراء ، واجتمع عنده جماعة من الفقراء والفقهاء في مدرسة النظامية فتكلم عليهم في القضاء والقدر ، فبينما هو يتكلم إذ سقطت عليه حية من السقف ففر منها كل من كان حاضرا عنده ولم يبق إلا هو فدخلت الحية تحت ثيابه ومرت على جسده وخرجت من طوقه والتوت على عنقه وهو مع ذلك لا يقطع كلامه ولا غير جلسته ثم نزلت على الأرض وقامت على ذنبها بين يديه فصوتت ثم كلمها بكلام ما فهمه أحد من الحاضرين ، ثم ذهبت فرجع الناس وسألوه عما قالت فقال قالت لي لقد اختبرت كثيرا من الأولياء فلم أر مثل ثباتك فقلت لها وهل أنت إلا دويدة يحركك القضاء والقدر الذي أتكلم فيه ، قال الشيخ عبد القادر رضي اللّه عنه ثم إنها جاءتني بعد ذلك وأنا أصلى ففتحت فمها موضع سجودى فلما أردت السجود دفعتها بيدي وسجدت فالتفت على عنقي ثم دخلت من كمي وخرجت من الكم الآخر ثم دخلت من طوقى ثم خرجت فلما كان الغد دخلت خربة فرأيت شخصا عيناه مشقوقتان طولا فعلمت أنه جنى فقال لي أنا الحية التي رأيتها البارحة ولقد اختبرت كثيرا من الأولياء بما اختبرتك به فلم يثبت أحد منهم لي كثباتك ، وكان منهم من اضطرب باطنه وثبت ظاهره ومنهم من اضطرب ظاهرا وباطنا ، ورأيتك لم تضطرب ظاهرا ولا باطنا وسألني أن يتوب على يدي فتوبته . وكان رضي اللّه عنه يقول ما ولد لي قط مولود إلا أخذته على يدي وقلت هذا ميت فأخرجه من قلبي أول ما يولد قال ابن الأحض رحمه اللّه تعالى وكنا ندخل على الشيخ عبد القادر رضي اللّه عنه في الشتاء وقوة برده وعليه قميص واحد وعلى رأسه طاقية